عبد الملك الجويني

488

نهاية المطلب في دراية المذهب

الإيماء خارج عن القانون ، لا أصل له ، وتشبهه بالمريض ساقط ؛ فإن هذا مما يندر ولا يدوم ، وتمكن المصلي من السجود قائم ، والاستئخار عن الإمام بأركانٍ أقرب من الاقتصار على الإيماء في ركن لا يتطرق إليه التحمل ، فإذاً الوجه القطع بألا يومىء ، ولكن ينتظر ما يكون ثم يتفرع صور في انتظاره ، وفيما يُفضي إليه أمره . كما ستأتي مفصلة إن شاء الله . قال الشيخ أبو بكر : هذا من الأعذار التي يجوز بسببها الانفراد عن الإمام ، وقد ذكرنا فيما تقدم أن من التزم الجماعة ، وانفرد عن الإمام من غير عذر ، ففي بطلان صلاته قولان ، وإن كان انفرادُه بعذر ، فالمذهب صحة الصلاة ، فقال الصيدلاني : إذا وقعت الزحمة ، وأحوجت إلى التخلف عن الإمام ، فيجوز بسببها نية الانفراد . 1375 - وهذا فيه تفصيل عندي : فإن فُرض الزحام في غير صلاة الجمعة ، فما ذكره متجه حسن . وإن كان الزحام في صلاة الجمعة ، فيظهر عندي منعه من الانفراد ؛ فإن إقامة صلاة الجمعة واجبة قصداً ، فإخراج النفس عنها قصداً ، ليس يتجه ، وقد رأيت الطرق متفقة على أن التخلف بعذر الزحمة لا يقطع حكمَ القدوة على الإطلاق . ولو صار إليه ( 1 ) صائر ؛ من جهة أن الاتباع - على شرط الوفاء بالقدوة عند الاختيار - متعذر ، وإذا تعذر تحقيق الاقتداء فعلاً ، وأحوج الازدحام إلى التخلف بأركان ، فلو قيل : ينقطع حكم نية القدوة ، لم يكن بعيداً عن القياس . ولكن لم يصر إلى هذا أحد من الأصحاب ، والمذهب نقل ، وأنا لا أعتمد قط احتمالاً إلاّ إذا وجدت رمزاً وتشبيباً لبعض النقلة . 1376 - فإذا وضح ذلك ، عُدنا إلى البناء على ما هو المذهب ، وهو أنه إذا عسر عليه السجود لا يومىء ، بل ينتظر انجلاءَ الزحام ، فإذا قام الإمام إلى الركعة الثانية ، وتمكن المزحوم من السجود ، فسجد سجدتين ، ورفع رأسه ، فإن صادف الإمام

--> ( 1 ) " إليه " الضمير يعود إلى قطع حكم القدوة بالتخلف ، فكان العبارة : لو صار صائر إلى أن حكم القدوة ينقطع بالتخلف ، لم يكن بعيداً عن القياس ، ولكن لم يصر إلى هذا أحد من الأصحاب .